السبت، 26 ماي، 2007

عائلة مغربية فقيرة تتخذ "مرحاضا عموميا" مسكنا لها.؟؟؟ .






أعتذر كثيرا على هذا العنوان، الذي تتقزز منه الأذواق السليمة، وتشمئز منه النفوس الكريمة، لكن عذري عجز في البيان، إذ لم أجد غير هذا العنوان للتعليق على خبر مثير ووصف واقع مرير.
نشرت جريدة المساء في عددها الصادر يوم الأربعاء 8 ماي 2007 خبرا مفاده أن أسرة من خمسة أفراد تعيش في مرحاض عمومي بمدينة سلا، تحصل على قوت يومها من مساعدات بعض المحسنين ومما تبقى من فضلات الخضر والفواكه في القمامة قرب السوق المجاور للمرحاض. تقول الأم خديجة: "لا أستطيع النوم خوفا على ولدي عمر من الفئران التي تملأ المكان"، ويقول الأب عز الدين: "كل ما أطلبه هو مساعدتي لضمان كرامة أبنائي". المسكين زهد في كرامته وأصبح يطالب فقط بكرامة أبنائه، لكن يبدو أننا في دولة تشح بالكرامة عن الكثير من مواطنيها، رغم أن دينها "الرسمي"، الذي هو الإسلام، من شعاراته الخالدة "ولقد كرمنا بني آدم"، ورغم أن ديباجة دستورها تنص على التشبث بحقوق الإنسان، ومسؤوليها يتخرصون، في مناسبة أو غير مناسبة، بالشعارات الكبيرة التي سرعان ما تتحول إلى كبائر في الواقع.
الأب عز الدين والأم خديجة يتساوون مع باقي المواطنين في حمل البطاقة الوطنية. إصرار على الانتماء للوطن رغم انتفاء الكرامة، لكن الغريب حقا أن تحدد السلطة، دون اكتراث، محل الإقامة في "مرحاض سيدي أحمد حجي". هذا ما ورد في بطاقتي الأب والأم، ويرد في مختلف الوثائق الرسمية للأسرة، وفي مختلف الرسائل التي تصلها بما في ذلك الرسائل المدرسية، يكتب ذلك المقدم والشيخ، ويوقع عليه رئيس المصلحة والقائد، بل إن بطاقة الأب وقعها حميدو العنيكري المدير العام للأمن الوطني سابقا، وبطاقة الأم وقعها الشرقي الضريس المدير العام الحالي للأمن الوطني. إن لسان حال السلطة يقول: "أيها المغربي عش في مرحاض أو مقبرة أو في كوخ منسي لا يهم، الذي يهمنا هو أن نحدد محل إقامتك لضرورات أمنية". منطق أمني أعمى، يجهل أصحابه أو يتجاهلون، أن الأمن أساسه العدل، والاستقرار منطلقه شعور قوي بالكرامة. ينسى أصحاب ذلك المنطق، أو يتناسون، حقيقة "عدلت فأمنت فنمت يا عمر"، ويصرفون الأموال الطائلة على الأمن بمفهومه الضيق. فماذا تكون النتيجة؟
أناس يسارعون إلى الموت بطرق مختلفة، لأنهم إذا ماتوا ماتوا وحدهم، أما إذا عاشوا دون كرامة فإنهم لن يجلبوا إلا الذل والهوان ليس فقط على أنفسهم ولكن أيضا على أسرهم وذويهم وأبنائهم، وأناس فضلوا البقاء لكن بعد أن ذبحوا إنسانيتهم من الوريد إلى الوريد وارتموا في أحضان التسول والمخدرات والدعارة.... وأناس انتصروا للحياة على الموت، وللأمل على اليأس، لكنهم في صراع مرير من أجل الكرامة التي لا يجود بها الوطن إلا على المحظوظين. من هذه الأصناف تتشكل الغالبية العظمى من الشعب المغربي، أما القلة القليلة فهي –إلا من رحم الله- تنهب خيرات البلاد والعباد دون رقيب أو حسيب، ولمن تعوزه الأرقام أقول: القرض العقاري والسياحي اختلست منه 8 ملايير درهم، والقرض الفلاحي 846 مليون درهم، والبنك الشعبي 30 مليون درهم، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي 115 مليار درهم، والمكتب الشريف للفوسفاط 10 مليارات دراهم، وكوماناف 400 مليون درهم، والمكتب الوطني للنقل 20 مليون درهم... هذه الأرقام المعلنة وما خفي كان أعظم.
إن قصة عز الدين وأسرته، وغيرها من القصص المشابهة، تكشف بالملموس فشل المبادرة الوطنية للتنمية التي قيل أنها لصالح الفقراء والمنكوبين، وفشل الحكومة التي أعلنت أن من أولوياتها توفير السكن اللائق، وفشل توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة التي أوصت بالحكامة الأمنية، وتفسر لماذا لا يثق الناس في الأحزاب والمؤسسات والمبادرات، ولماذا لا يذهبون إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية، وتؤكد أن المواطنة أكبر من أن تكون نداء يرفعه بعض المثقفين في وجه المعارضين للنظام السياسي، وأكبر من أن تكون شعارا لدفع الناس إلى المشاركة في الانتخابات... ولكم أن تتصورا مرشحا يطرق على عز الدين مرحاضه ويدعوه إلى ممارسة حقه في التصويت لأنه من حقوق المواطنة... إنها مواطنة المرحاض التي لا فرق فيها بين فضلات البشر وفضلات من البشر، وإنه الهراء السياسي الذي يغيب عن أصحابه أن المؤسسات السياسية من انتخابات وبرلمان وحكومة لم توجد أصلا إلا لحل

التناقضات الاجتماعية.

بقلم: محمد منار -

manmed71@yahoo.fr

ليست هناك تعليقات: