الأحد، 25 جانفي، 2009

خربشات التلاميذ أو عودة الوعي



منذ أكثر من عشرين عاما تعودت أن أتصفح جدران الأقسام في المعاهد و أن أتملى ما يخطه أبناؤنا و بناتنا على مقاعدهم و على السبورات في غفلة من أساتذتهم و حين تخف عنهم مراقبة الإدارة.
و إذا كان الكثير من المدرسين يعتبرون هذه الكتابة خرقا لقواعد السلوك الحضاري غير أني أعتبر هذه الظاهرة العامة محرارا لقياس درجة الوعي لدى الشباب و اتجاهاته و مصدرا قيما لرصد التيارات العامة لاهتماماته و ميولا ته.
فهذه" الخربشات " إنما هي الطريقة التي يتملك بها الشباب جزءا من الفضاء العام ليسموه بسماتهم و يمنحوه طابعهم طالما أنه خارج عن سيطرتهم القانونية و الفعلية و يفرض عليهم سلطانه بأوامره و نواهيه . و هذا الفضاء لا بديل عنه بما أن بقية الفضاءات الأسرية أو العمومية الأخرى عصية على الامتلاك و بما أن الفضاءات العمومية تمنع فرصة للتعبير كدور الثقافة و الشباب و النوادي إنما هي تسيج التعبير و تصرفه في قنوات الترديد و التمجيد المتكلس أو في الخطاب المكرر الممجوج . في فترة الثمانينات كانت "الخربشات" فضاء زاخرا بالتعدد و الاختلاف و الحوار ففيه تطالعك شعارات الحركة اليسارية الوطنية و التيار الإسلامي و الاتجاهات القومية و كل رقعة من هذا الفضاء تنطق بأحلام من امتلكها أو بموقفه من القضية الفلسطينية أو بموقفه من الآخر سلطة أو معارضة أي أن "خربشات الثمانينات" كما عايشتها كانت دليلا لدى شريحة الشباب التلميذي على وعي سياسي حاد و مبكر و مكثف ميال إلى الإطلاق و الحدية و هو ما ترجمته هذه الشريحة في تحركاتها العارمة من أجل قضاياها الخاصة أو العامة المحلية و العربية بل إن هذه الأجواء هي نفسها التي أنجبت الكثير من قيادات الحركة الطلابية و البعض من الزعامات الشابة للقوى السياسية الراهنة في ساحة المعارضة التونسية.
ثم مرت "الخربشات" الشبابية بغفوة أوساط التسعينات و عشرية الألفية الثانية هذه الغفوة خبت فيها جذوة الاهتمام السياسي و نتوءات الإيدولوجيات السائدة و تصحر ذلك الفضاء الخصب و لم يعد ينبت سوى أسماء النجوم من المغنين و المغنيات العرب و الأجانب عناوين الأشرطة السينمائية أو ماركات الأحذية الرياضية أو الملابس و أسماء الفرق الرياضية و أسماء لاعبيها المشهورين . كما برزت الاهتمامات الخاصة مثل رموز العشق و الحروف الأولى من اسم الحبيب . يضاف إلى ذلك قدر هام من السخرية من المدرسين أو من الاستخفاف بالدراسة. كما تطور مقدار البذاءة و الفحش و الرسوم الجنسية في هذا الفضاء إلى حد مزعج.
و قد كانت هذه الفترة التي تصحر فيها فضاء "الخربشات" و تدنى فيها مستوى الخطاب و جف ينبوع الوعي بالشأن العام و بالشأن السياسي خصوصا فترة موات لحركة التلاميذ و رد فعلهم العفوي على الأحداث الجارية حولهم بإستثناء بعض الحالات النادرة و هذه الغفوة هي نفسها التي عرفها آباء هؤلاء التلاميذ . إلا أنني فوجئت في الأيام الأولى للعدوان على غزة أن ربيعا جارفا قد اكتسح هذا الفضاء و ازدانت "الخربشات" بألوان العلم الفلسطيني و بالشعارات المتضامنة مع القضية الفلسطينية ، الساخطة على النظام الرسمي العربي ، المنددة بالتآمر الدولي.
و أصبح هذا الفضاء ساحة و منبرا للتعبير عن التفاعل مع ما تبثه الفضائيات و ما يحدث في الشارع و لكن التعبير هذه المرة كان خاليا إلى أبعد حد من التسيس و الأدلجة و كان واضحا أن الفضائيات كان لها النصيب الأوفر من انبعاث هذا الوعي من خلال نوعية الشعارات و الإتجاه العام للمواقف.
و بالطبيعة الحال سرعان ما عبر هذا الفضاء عن نفسه من خلال التظاهرات التي أقامها التلاميذ في المعاهد أو في الشارع .
خلاصة القول أن "خربشات" التلاميذ قد برهنت بما لا يدع مجالا للشك بأن شبابنا بخير من حيث كونه يختزن طاقة كامنة من الوعي و استعدادا متوثبا للاهتمام بالشأن القومي و المحلي.
و برهنت على أن هذا الشباب في حاجة ماسة إلى فضاءات حرة للتعبير بعيدا عن الوصاية و التوجيه السلطوي الضيق و أذا لم نمنحه هذه الإمكانية فإنه سيتزود من مصادر لا تحمد عقباها له و لنا .
و نختم القول بما نظمه الشاعر "أحمد فوائد نجم"

"رجعوا التلامذة
يا عمي حمزة
للجد الثاني"

عبد الجبار الرقيقي

(المصدر : جريدة الموقف لسان الحزب الديمقراطي التقدمي)

هناك 3 تعليقات:

عياش مالمرسى يقول...

نص جميل جدا، اتمنى أن هذا الوعي لن ينقصر على القضية الفلسطينية، وشخص هالشباب يحس بقفصة، يحس بحالة تونس..

ابو ناظم المرزوقي يقول...

عياش اليوم لم نعد نتحدث عن استقالة النخبة بل عن استقالة الشارع وهذا الاهم بنظري ان تجد تلميذا يعود للتفكير بمسائل جدية هذا يحتاج الى وقفة .لماذا فشلت النخبة طيلة العقدين الماضيين في استقطاب الشارع ؟لماذا يوجد شرخ بين الشارع ونخبه ان صح وجود هذه النخب ؟وكيف نعيد الثقة بين الشارع والنخب ؟ باعتقادي ما عاشته المعاهد في حرب غزة وحرب تموز تعيد علينا طرح السؤال هل الشارع يقود النخبة ام النخب هي التي تقود الشارع ؟

عبرات، ألم و أمل يقول...

"خلاصة القول أن "خربشات" التلاميذ قد برهنت بما لا يدع مجالا للشك بأن شبابنا بخير من حيث كونه يختزن طاقة كامنة من الوعي و استعدادا متوثبا للاهتمام بالشأن القومي و المحلي."

آمل من كل قلبي أن يكون استنتاجك صحيحا ولو لحد ما لأن موجة "تسونامي" الانحطاط المعرفي والذوقي والأخلاقي التي ضربت بقوة أركان المجتمع خلال العقد الأخير، وبخاصّة الشباب لم تبق أو تذر أو على الأقل هكذا خيّل إليّ من خلال تجربتي الخاصة. شكرا لهذا النص الجميل.