الاثنين، 2 مارس، 2009

الاستقطاب السياسي في تونس ...الجزء 2

الاستقطاب الاسلامي :
الحركة الاسلامية بتونس بدات حركة دعوية اجتماعية منذ اواسط السبعينات بعقد حلقات ذكر وموعظة للشباب لتعريفهم بدينهم بتحلق بعض الشباب المتحمس للدعوة والمتأثر بحركة الاخوان المسلمين في مصر حول الشيخ راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو والتحق بهما بعد ذلك من جيل المؤسسين بن عيسى الدمني حمادي الجبالي .كركر .العريض و الجورشي ( الذي سينشق عنهم بعد ذلك ) .غير ان اشتداد المواجهة بين اليسار والسلطة التي انكشفت في ازمة الاتحاد مع السلطة سنة 1978 ( احداث الخميس الاسود) من ناحية وبداية انقسام اليسار ذاته بعد احساسه بالسيطرة على اغلب المؤسسات المستقلة للبلاد مثل الجامعة واتحاد الشغل و والمحاماة وقطاعات هامة من المؤسسات الثقافية الرسمية ( مسرح. سينما. دور الشعب عبر نواديها .ونوادي مستقلة مثل نادي الطاهر الحداد .وحدات البحوث والدراسة .الخ ) ونعني هنا بالذات انقسام الطرف المؤمن بالعمل السري والذي استفاد من تجربة السجن ومن حرية التعليم والترسيم بالجامعة الى قطبين اساسيين : بقايا العامل التونسي وما سمي بالعائلة الوطنية باطيافها ( التي ستشهد بدورها تفككا بعد ذلك الى خلايا صغيرة جهوية وشخصية وفكرية حتى ان بعضهم كما سيتندر به احد رموز الاسلاميين في خطاب له " تيار سياسي في تكسي ") .ومن ناحية ثالثة نجاح تجربة ايران في قيام دولة اسلامية اجج المشاعر بتغيير الخطاب السياسي للحركة والدخول في معمعة الصراع على السلطة .هذا دون ان ننسى ان لبعض رموز السلطة انذاك اليد الطولى في دفع واقناع رموز اسلامية بدخول معترك الحياة السياسية ( ونعني ما يشاع عن علاقة هذا التيار او بعض رموزه على الاقل مع محمد مزالي ومحمد الصياح ) وتمثل خاصة في طبع مجلة المعرفة التي كانت لسان حال المجموعة الاولى في دار الصباح ( والتي بدأت بالظهور منذ 1974 في شكل مجلة للدعوة وبدأت محتواها في التغير منذ عدد 1 افريل 1979 حيث قارن فيه الغنوشي بين 3 قادة للحركة الاسلامية المعاصرة :البنا والمودودي والخميني وبدا واضحا تأثر الرجل بتبني خطاب جديد للحركة سياسي هذه المرة ) .هذا اضافة لطبع كتب زهيدة الثمن تصدرها دار بوسلامة ودار لقمان نذكر منها خاصة الكتاب التعبوي الاول "دليل المصلي " والذي كان بيد اي وافد جديد للحركة يتسلح به ويكون المدخل في اي عملية استقطاب لعنصر اخر .هذا اضافة لكون المساجد وانتشارها في كل المؤسسات العمومية والتربوية خاصة ساهم في ايجاد ارضية عمل جيدة لهذا النوع من الاستقطاب الذي انتقل سريعا كالعدوى في كامل شريان الجسد التونسي . كانت النقاشات موجهة اساسا ضد الشيوعيين ( والتنصيص على التسمية من باب الاحراج لان العبارة ارتبطت في اذهان العامة بالالحاد والموقف من الدين ) ولم يدخل الاخوان في حرب ضد السلطة بل انهم سكتوا او برروا وقتها حتى الازمات العنيفة التي وقعت بين السلطة والاتحاد بقيادة اليسار كما اسلفنا فاعتبر ما حدث سنة 1978 "هيجة مفتعلة "وما حدث سنة 1985 شان داخلي وتصفية حسابات بين عاشور والبكوش انتصروا فيه لعاشور لانهم اعتبروا البكوش يساري .كما ان موقفهم من ازمة اتحاد الطلبة ومؤتمر قربة 1971 موقف سلبي ومحايد قبل ات تصدر الوثيقة عدد21 التي سيؤكدون فيها عزمهم على "امكانية احتوائنا لاي تحرك في اتجاه المؤتمر 18 والدخول فيه بقوة وتعميمه على الجامعة والتصرف فيه باسم الطلبة في الوجهة التي نراها نحن " ...فبدا واضحا تغير سياسة الاستقطاب التي لم تعد لتخدم السلطة او على الاقل يجب البدء بقطف الثمرة التي اينعت فاصبحت المواجهة مع اليسار تاخذ مناحي اكثر عنفا كما شهدت على ذلك احداث كلية الاداب 1981 و خاصة 1982 والتي ستجد صداها في المعاهد الثانوية لرغبة في تصفية جسدية وسياسية لليسار بمختلف اطيافه الاصلاحي والثوري بتوصية وحماية وتوجيه من اساتذتهم ( اذكر وانا في الثانوي لا افقه من الخلاف شيئا كيف كانت فيالق من الملثمين تدخل المعهد مسلحة بالسلاسل والعصي وتعتدي على تلاميذ زملاء لنا لكونهم شيوعيين ملحدين واشهد ان بعض الاساتذة المحسوبين عليهم كانوا يوجهون حصص الدرس ويطوعوها للرد على الالحاد والملحدين - يضعون ماركس ونيتشة وفرويد وداروين بل وحتى نوال السعداوي في سلة واحدة - كما كانت خطب الجمعة في مسجد المعهد كلها سلاحا لهم في المعركة من اجل استقطاب التلاميذ ) . و لا افشي سرا اني كنت ضحيتهم في ذلك الوقت مثلي مثل غيري من الابرياء والمغفلين شهدت حوارا بين طرفين حول الموقف من الدين وكان الاول يتسلح بكتاب حوار مع صديقي الملحد للدكتور مصطفى محمود والثاني بكتاب "نقد الفهم العصري للقران"لدكتور مصري ايضا اسمه على ما اعتقد عاطف احمد ... وان صديقي المسلم ربما لاحظ ميلي لموقفه حين طلبت قراءة الكتاب فمكنني منه في الحال وطلب مني من الغد مراجعة ما جاء فيه بل وطلب مني صراحة ان ابدا الصلاة ولم يترك لي حتى الفرصة لمراجعة الامر مع نفسي ..فوجدت نفسي ادخل معه على مضض الى حمام المبيت ( ادواش المبيت) وكان ذلك ليلة الخميس حيث لاحظت ان كل الاخوة يتطهرون استعدادا ليوم الجمعة وكان ينظم دخولهم وخروجهم زعيمهم التلمذي انذاك ا.ع.ن وحين لاحظ قدومي امر بترك الاولوية لي ربما حتى لا اتراجع وبدات من الغد استمع الى خطب الدمغجة الساذجة التي كنت اصدقها ربما انذاك ... والاغرب من ذلك اني سرعان ما صرت معروفا عند اساتذتهم فتحسنت اعدادي في الجغرافيا بشكل ملفت للانتباه وفي الرياضيات والتربية الاسلامية ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟) فعرفت ان الاستقطاب يبدا بهذه الطرق المباشرة......
واكتشفت ان الامر نفسه يحصل في الجامعة بتقديم معونات مادية للطلبة المعوزين والاخذ بيدهم وتعبئتهم نفسيا ..مستغلين الشعور الديني الموجود اصلا .ساعدهم في ذلك ربما ما كان يحصل عليه الاسلاميين من اعانات من دول خليجية ( ما نشرته مجلة المغرب العربي في حوارها مع مورو في 19 اكتوبر 1990 والذي نفى فيه علمه باي تمويلات وان لن ينف العلاقة مع السعودية) ومن قدرتهم على التعبئة النفسية باسم الدين والحرب ضد الكفر .ومن استفادتهم التنظيمية من اخطاء اليسار( مثلا يستشهدون بكتابات فتحي يكن التنظيمية التي دعا فيها صراحة الاسلاميين الى الاعتماد على قراءة كتاب لينين ما العمل ؟) .ومن علاقاتهم ببعض وجوه السلطة كما قلنا سابقا . وربما من براغماتيتهم ( لان صراعهم مع السلطة تكتيكي وليس استراتيجي) ما سيفسر انخراطهم في المؤسسات الرسمية للسلطة بل واحتوائها واختراقها من الداخل مثل الكشافة المصائف والجولات والشبيبة المدرسية وهي منظمات لها علاقة بالطفولة وبجيل لا يفقه شيئا من السياسة ثم في مرحلة ثانية من مؤسسات سيادية كالحرس والجيش والشرطة والديوانة والقضاء والمحاماة ...الخ .وهي المؤسسات التي سيلي دورها بعد المواجهة مع السلطة منذ 1981 و 1986 والتي ستفرز لاول مرة مخططا للاستيلاء العنيف على السلطة فيما صار يعرف "المجموعة الامنية المسلحة " التي انكرت القيادة في مستوى اول علاقتها بها ( انظر مجلة المغرب العربي 7 /12/1990 تصريحات السيد وزير الداخلية عبد الحميد بن الشيخ ورد السيد علي العريض بالانكار ) ثم ليتم كشفها مرة ثانية بوضوح في ندوة صحفية لوزير الذاخلية في 1992 في ندوة صحفية للسيد عبد القلال وزير الداخلية الذي كشف بوضوح لا غبار عليه وجود تنظيم مسلح سري يشرف عليه القيادي السيد محمد شمام ).
قلت ان الاستقطاب الاسلامي عرف مراحل استفاد فيها من قربه من السلطة احيانا ومن قدرته على المناورة والاستفادة من اخطاء اليسار ومن تجارب اسلامية اخرى جعلت منه درسا تجب مراجعته سواء من طرف اليسار المعادي او اليسار الاسلامي المنشق عنه بطروحاته التنويرية او حتى للسلطة ذاتها التي غيرت نهجها منذ ذلك التاريخ مع الاسلاميين ؟؟؟
يتبع

هناك 4 تعليقات:

khayati يقول...

لك جزيل الشكر على هذه الإستعادة لا سيما وفي تلك الفترة لم أكن في تونس وعلمت بعض الأمور عبر بعض الاصدقاء أو الإصدارات التي ذكرت البعض منها ولي طلب صغير هو التعرض (لو سمحت) إلى ما اشرت إليه من تفتت اليسار التونسي... ومرة أخرى شكرا,

brastos يقول...

حلوّة حكاية "وحين لاحظ قدومي امر بترك الاولوية لي ربما حتى لا اتراجع" ههههه ليهم ياسر في هالاساليب الترغيبية الساذجة
اذكر في نفس السياق تقريبا ، ان احد اصدقاء اخي (الذي يكبرني و الذي كان ميّالا اليهم) ، اراد ان يستقطبني للحركة ، فبادر بسؤالي عمّا اذا كنت من هواة المطالعة ، اجبته نعم ، و كنت حينها مولعا بروايات نجيب محفوظ و جرجي زيدان و محمد عبد الحليم عبد الله و احسان عبد القدوس . قلت له انني اجد متعة في قراءة هؤلاء (و كنت في قرارة نفسي ادرك بشيء من الحدس الطفولي انه ليس راضيا عمّا اقرأ .. كنت اعرف ان اصدقاء اخي متدينين ، و لذلك طبيعي ان لا يستسيغوا روايات نجيب محفوظ التي لا تمتنع عن وصف اجساد النساء و العالمات و الراقصات و دلع البنات في خان الخليلي و غيره من الاحياء الشعبية المصرية و المغامرات العاطفية ، ههههه بدليل تعرض نجيب محفوظ فيما بعد لمحاولة الاغتيال الشهيرة من طرف اشباههم في مصر) لكنّه قال لي : انا اعدك ان اجلب لك كل روايات نجيب محفوظ التي لم تقرأها ، جلب لي مرّة رواية اذكرها جيدا : الطريق ، ثمّ بعد ذلك جلب لي عددا من جريدتهم : الفجر (التي ربّما لم يتذكّرها صديقنا ابو ناظم اثناء جرده لنشرياتهم )
و عندها ادركت انّه جلب لي في البداية رواية "الطريق" مجاراة لي .. و هاهو الان قد مرّ للاهمّ
و كانت تلك الحركة الغبية منه ، هي التي مزّقت اية امكانية تواصل لي مع هؤلاء
:)

abunadem يقول...

خياطي شكرا للمواظبة على الزيارة قد اعود لها في تدوينة اخرى اخصصها للمناقشة في واقع اليسار التونسي ؟؟

abunadem يقول...

براستوس شكرا للزيارة
لم انس جريدة الفجر وانا مازلت احتفظ باعداد منها ولكن لم اجد فيها ما يمكن توظيفه في التدوينة على كل قد يكون لنا عودة اخرى لصحافة المعارضة