الاثنين، 2 مارس، 2009

الاستقطاب السياسي في تونس ...


يعني الاستقطاب ترغيب واستجلاب عناصر جديدة لفكر او حركة او حزب من اجل تاطيرهم وادماجهم في منظومة ما .نشط الاستقطاب السياسي منذ الستينات في تونس مع تاسيس دولة الاستقلال الجديد ويمكن تصنيف هذا الاستقطاب الى 3 :
استقطاب اليسار منذ اواخر الستينات الى اواخر الثمانينات
استقطاب اسلامي منذ اواخر السبعينات الى مطلع التسعينات
استقطاب قومي عروبي نشط فترات مختلفة حسب وتيرة الاستقطاب الاول والثاني .
ساحاول من خلال هذه التدوينة ومن خلال اطلاعي وتجربتي البسيطة معاينة ماضي وواقع هذا الاستقطاب ولا ادعي في ذلك تأريخا للمسألة .
المرحلة الاولى :استقطاب اليسار
منذ تكون حركة اليسار في المهجر حركة افاق والعامل التونسي( مستقلين ومناضلين نقابيين) والشيوعيين ( انصار الحزب الشيوعي التونسي الذي منع نشاطه اواخر 1962 وهاجر اغلب مناضليه ) عرفت تونس استقطاب لعناصر اليسار الطلابي والتلمذي بدرجة اولى والعمالي بدرجة ثانية اذ بعد عودة اغلب مناضلي هذا التيار والذي كان بقرار جماعي حسب شهادة السيد الهاشمي بن فرج ( في حوار لنا معه كنت اشرت له في تدوينة سابقة) وتاسيس تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي التونسي بقيادة الاستاذ نورالدين بن خذر التي اصدرت فيما بعد نشرية "افاق" ثم و منذ 1969 نشرية "العامل التونسي" بعد اختلاف حول الموقف من القضية الفلسطينية على ما يبدو .وهي الفترة التي تميزت بتحولات اقتصادية ( تجربة التعاضد) واجتماعية ( بداية تكون نواة وعي عمالي في تونس مع تمركز حضري للصناعات في الساحل والعاصمة ) فشهد الاستقطاب السياسي بين اطراف السلطة من جهة ( وهو رسمي رغم ضعف تاثيره) واطياف اليسار التي رغم تفرق عناصره واختلافهم حول مسائل جوهرية (من نوع طبيعة المرحلة .والقضية الفلسطينية .وطبيعة الامبريالية .ومهام الطبقة العاملة الخ )ظل هو جوهر الاستقطاب السياسي في القطر ويمكن تقسيم هذا الاستقطاب بدوره الى نوعين :
نوع اول لطرف امن بالعمل السياسي :وينقسم بدوره الى اثنين : سري يمثله جماعة افاق والعامل التونسي والذي سيستمر في السرية تقريبا الى اليوم رغم رغبة البعض منهم في الظهور للعلنية ( جماعة حمة الهمامي وحمة الكيلاني - البوكت منذ 1985-ومن بعد جماعة عبد الرزاق الهمامي وجمور- العود اواخر التسعينات) وعلني يمثله اساسا الحزب الشيوعي التونسي بدرجة اولى بعد عودته للعلنية رسميا في ماي 1981 بقيادة محمد حرمل ثم بدرجة ثانية الحزب الاشتراكي التقدمي بقيادة نجيب الشابي الذي عاد مع من عاد من المهجر وكون حزبه في اواخر الثمانينات ( يذكر الهاشمي بن فرج مثلا في اللقاء المسجل معه ان الشابي كان يحضر حلقات الطرفين السري والعلني الثوري والاصلاحي حتى عودته لتونس ) .ونوع ثاني لطرف اخر امن بالنضال النقابي وانخرط في العمل في اتحاد الشغل وفي اتحاد الطلبة .على ان هؤلاء لا يميزون في ادبياتهم بين النضال النقابي والنضال السياسي ويعتبرون الاول مكمل للثاني غير ان تتالي الاحداث النقابية والاجتماعية جعلت بعضهم يكف عن الربط بين العاملين ليسقطوا فيما سماهم الاخرون بالنقابوية والتي قد يكون مازال بعضهم الى اليوم يمتهنها ( مثلا ذكر عن عبيد البريكي انه قال في مؤتمر جربة لاتحاد الشغل" انا مطلعتني الماكينة " يقصد ماكينة المكتب التنفيذي بمعنى ان تحالفاتهم ونياباتهم لا تعنيه ).
ونحن نذكر سواء في الثانوي او حتى في الجامعة في تلك الفترة ان الطلبة العائدون اثناء العطل الدراسية يعملون على الالتقاء باصدقاء وتلاميذ اجتازوا امتحان البكالوريا للحديث معهم في الشان العام وبالتالي استقطابهم في حلقات مهنية للعمل السياسي السري تحت مسميات مختلفة بل كانت بعض المؤسسات الصغرى يتم التركيز عليها لمثل هذا الاستقطاب في ذلك الوقت مثل نوادي السينما ونوادي الفكر التابعة لدور الثقافة وقبلها دور الشعب وتنشيط اتحادات الشغل الجهوية باحياء مناسبات وطنية او قومية يتم فيها طرح نقاشات حادة حول مسائل جوهرية كنت ذكرت بعضها ...واذكر وانا تلميذ بالثانوي كيف كانت تنتهي نقاشات الرفاق سواء بالمعهد او المبيت او دار الشعب الى تجريم عناصر الحزب الشيوعي التونسي بوصفهم بالاصلاحيين والعملاء لروسيا ووصف الاتحاد السوفياتي بالامبريالية الاشتراكية الخ ... في المقابل كان هؤلاء يردون على منتقديهم بالشعبويين الخ ...حتى ان النقاش الذي كان يطرح لهدف الاستقطاب كان اضافة لكونه يقفز عن واقع المرحلة انذاك كان نقاشا غير مفهوم حتى من قبل من يطرحه او يتبناه ..( اذكر مثلا الخلاف حول طبيعة المجتمع التونسي او الخلاف حول طبيعة الامبريالية دورية ام هيكلية ؟؟؟؟؟) .ولعل ذلك ما ساهم في تأزيم اليسار التونسي وجعله فكرا يغرد خارج مجاله طول الوقت هذا اضافة لكون العديد من المؤسسين سينقلبون الى السلطة باسم اليسار ذاته ؟؟؟ وعلى الرغم من ان محاولات الاستقطاب هذه لليسار بهناتها واخطائها ساهمت في خلق جيل مثقف واعي ساهم في خلق احداث كبيرة في تونس مثل جانفي 1978 جانفي 1984 ....
يتبع

هناك 6 تعليقات:

brastos يقول...

اهلا ابو ناظم
تدوينتك جيّدة في تطرّقها لجملة من النقاط الهامة في تاريخ تجربة العمل السياسي في تونس

جيّد ان نتوجّه بالنقد لتراثنا ، فالنقد هو الضامن الوحيد للتطور

العديد من الاسئلة تحيل عليها تدوينتك

* الى اي حد اثبتت اسليب الاستقطاب القديمه جدواها في خلق جيل يفكّر

* لماذا لم تكن تلك الاساليب ناجحة و ناجعة في الكثير من الحالات

*الى اي حد ساهم اغراق الجيل اللي حكيت عليه في الخلافات حول مسائل نظرية "عقيدية" دقيقة جدا ، في تنفير جزء هام من الطاقات اللي كانت محيطة

* انا لاحظت حاجة هامة في الجيل الحالي : عمليّ جدا جدا
قد لا يتقن الانخراط في نقاشات دقيقة و متعمقة ، و لكنّه قد ينخرط في سلسلة من المهمات العملية ، دون كلل ، و بابداع كبير (مثلا : الرديف، المظاهرات المساندة للعراق و فلسطين ... الخ)

chanfara يقول...

تدوينة رائعة كالعادة صديقي أبو ناظم حول موضوع أراه مهما

و لكن أودّ أن أركزّ على بعض النقاط التي مررت عليها سريعا:

1- للأسف كما ذكر براستوس إلى اليوم لا زال الخلاف النظري العقيم من وجهة نظري و نحن على أعتاب نهاية العقد الأول من القرن 21 هو الغالب، فمنذ إنخراطي في إتحاد الطلبة حتى خروجي سنة 2005 و النقاش حول المجتمع التونسي هو الغالب خاصة بين قطبين من اليسار الماركسي و أقصد الوطد و الشباب الشيوعي: هل المجتمع التونسي هو رأسمالي تابع أم شبه رأسمالي شبه إقطاعي

2- للأسف أيضا الوضع الإستثنائي التي تعيشه بلادنا من إنعدام لحد أدنى من حرية التعبير و الحركة كما كان في السبعينات و الثمانينات ساهم بدرجة كبيرة في عزوف الشباب عموما و الطلبة خصوصا في الإنخراط في أي عمل نقابي سياسي أو حتّى ثقافي إضافة إلى سياسة التمييع و الإنحلال التي توجد في تونس منذ منتصف التسعينات.

3- أخيرا و ليس آخرا، و بإعتباري الإتحاد العام لطلبة تونس هو المحرك الأول و الأهم للجامعة التونسية - و لكن ليس الوحيد - ، فللأسف إن الصراعات الحزبية الضيقة التي لازمته طيلة التسعينات و حتى اليوم بين شقي حزب العمال الشيوعي التونسي ساهمت في إضعاف الإتحاد و بالتالي العمل النقابي و السياسي في الجامعة التونسية. هذا دون إسقاط الدور الكبير الذي لعبته السلطة في إضعاف الإتحاد أيضا

4- أهم سبب في حالة الإنحسار الحالية حسب وجهة نظري هو القرار الوزاري الذي أصدره الشرفي في التسعينات و الذي قضى بصفة جذرية على أي أمل في العمل السياسي داخل الجامعة إضافة إلى وجود الأمن الجامعي في كل الكليات و المدارس




و للحديث بقية كي تجبد على القوميين ههههههههههه

عياش مالمرسى يقول...

شكرا أبو ناظم، بالنسبة لي أهمية هذا العمل تتمثل في فهم آليات الاستقطاب المعطلة اليوم و بودّي لو اقترحت أفكارا لتجاوز هذه الأزمة

abunadem يقول...

براستوس
سيكون ردي على اسئلتك في اخر العمل . سنواصل الحديث والنقاش

abunadem يقول...

شنفرى
وجود البوليس في الجامعة كان اشد مع الفيجيل في السبعينات لا اعتقد ان المشكل في البوليس .المشكل بدا لي في ذات اليسار وساعود له في اخر العمل
شكرا للزيارة

abunadem يقول...

عياش من المرسى
فعلا هذا ما ساشير اليه في اخر العمل وبودي لو تفتح مجالات هادئة للنقاش من باب جلد الذات ربما .