الخميس، 5 مارس، 2009

الاستقطاب السياسي في تونس ...الجزء 3

الاستقطاب السياسي العروبي :
التيار العروبي في تونس عرف ثلاثة توجهات معروفة وفي مراحل تاريخية متباعدة :
1/ التيار البعثي
2/ التيار الناصري
3/ اللجان الثورية
يمكن اعتبار وجود القوميين في تونس هامشيا في الفعل السياسي بالنظر لللاتجاهين السابقين اليساري والاسلامي من جهة وفي حركة الشد والجذب في عملية الاستقطاب مع الحزب الحاكم من جهة اخرى اذ لايخفى ان دولة الاستقلال التي اسسها بورقيبة كانت ذات توجه ليبيرالي علماني وانها اختارت موقفا من المسالة القومية بنظر بورقيبة تعتبر تونس امة مستقلة عن باقي الاقطار العربية الاخرى ..ولعل هذا الموقف جعل انصار التيار العروبي رغم حداثة وجودهم السياسي في تونس من ايام الزعيم صالح بن يوسف في موقف المتذبذب في الموقف من السلطة اذ لايخفى ان صراع بن يوسف ضد بورقيبة واقصاء بن يوسف من الحياة السياسية اعطى لهذا التيار مشروعية الانخراط في النضال ضد السلطة الرسمية وكان اختفاء او هجرة وجوه سياسية محسوبة على العروبة انذاك الى مصر او العراق او حتى سوريا بل ونشطوا ضمن حركة لشباب اليساري بفرنسا كما يذكر لنا السيد عبد اللطيف الحناشي (في مجلة الوحدة عدد 52جانفي 1989 ص 221 الهامش رقم 18 )عند حديثه عن نشاة تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي التونسي الذي تحدثنا عنه سابقا . ثم ان موقف اليسار الماركسي بعد ذلك في المهجر وحتى عند عودتهم الى تونس من المسالة القومية وقضية فلسطين ومسالة الهوية وفي الموقف من القوميين ذاتهم كحركة "برجوازية عربية "ذات توجه انقلابي ... وهو ما عمق الخلاف والتباعد ونأى بالقوميين عن الفعل السياسي في تونس لفترة طويلة .
التيار البعثي :
تذكر الوثائق ان وجودهم يعود للخمسينات بعودة مجموعة من الطلبة من العراق وسوريا للتبشير بفكر البعث التي كانت بشكل علني تمثلت خاصة في سلسلة مقالات كان يصدرها ابي القاسم محمد كرو منذ 1955 الذي كان عضوا في حزب بعث العراق عن الوحدة وبرنامج حزب البعث ودعوة صريحة للعمل وفق هذا البرنامج تبناه بعد ذلك كثير من المثقفين الذين توافدوا للدراسة بالعراق بتشجيع من حزب البعث العراقي الذي دفعهم الى حدود 1966 الى العمل في تونس ضمن مؤسسات الحزب الدستوري الحاكم ( منهم مثلا الدكتور عفيف البوني الذي كان كاتبا عاما للشبيبة المدرسية بصفاقس) وبدا نشاط البعثيين في المعاهد والجامعات لاستقطاب الشباب التلمذي والطالبي على اساس تشجيعات دراسية ومنح دراسة في العراق ( وحتى سوريا بعد ذلك) وبعد الانشقاق في صفوف حزب البعث بين سوريا والعراق سنة 1963 . انقسم البعثيون التونسيون إلـى قسمين : قسم يؤيد الانشقاق ومن أبرزهم محمد صالح الهرماسي، وعبد الرزاق الكيلاني، الطاهر عبد الله، علي شلفوح. وقسم آخر وقف مع القيادة التاريخية لحزب البعث بزعامة ميشال عفلق، ومن بينهم مسعود الشابي، وعلي النجار، ومحمد صالح الحـراث الميداني بن صالح .واختارت مجموعة سوريا العمل السري وبقيت تراهن شانها شان ربيبتها على النشاط في اوساط التلاميذ والطلبة مع حضور محتشم في صلب المنظمة الشغيلة .وقد اسس البعثيون في الثمانينات حركة البعث بزعامة فوزي السنوسي وكان من ابرز عناصرها محمد صالح الهرماسي الذي انتخب عضوا للقيادة القومية لحزب البعث ومشرف على مكتب المغرب العربي بدمشق .واذكر في الثمانينات ان الفصيل البعثي العراقي في الجامعة الذي كان يسمي نفسه بالطليعة الطلابية العربية كان لا يعرف له حضورا فاعلا في الساحة الطلابية ( في النقاشات والمسيرات والتجمعات الطلابية ) ولكنه كان يعد لتظاهرات ضخمة في مناسبات قومية تتعلق بفلسطين او العراق تزين فيها الجدران بلافتات عملاقة واعلام تغطي كامل الجدران تدل دلالة واضحة على ان هذا الفصيل لم يكن مجرد فصيل طلابي عادي بامكانات ذاتية كباقي التيارات انذاك ( مع اننا كنا لا نعرف منهم انذاك الا 3 في كلية الاداب بمنوبة ) وهذا يؤكد وجود مؤسسات داعمة لمثل هذه الانشطة التي تستقطب الشباب الطالبي وتراهن عليه اكثر من طرحها لمسائل نظرية او فكرية .وهذا ما يؤكد فعلا ايمانها بالفكر الانقلابي الذي كنت اشرت اليه سابقا ( وهو الذي كان يؤكده ميشال عفلق نفسه في ادبياته - انظر مثلا دراسة لعزيز الديب عن العلاقة بين العروبة والاسلام في فكر ميشال عفلق صدرت بمجلة المغرب العربي عدد222 اكتوبر 1990 حيث ييقول " الانقلابية تعني ان تكون الامة في حالة انقلابية حتى توجد فيها حركة انقلابية قادرة على ان تكون امة الانقلاب قبل ان تحقق انقلاب الامة ") .
التيار الناصري :
افكار عبد الناصر وجدت صدى لها عند بن يوسف وطوبال في بداية العهد بالاستقلال ثم في ما سيسمى بعد ذلك بحركة التحرير الشعبية العربية التي تبنت صراحة التوجه الناصري وذات تجربة بالنضال السياسي الفلسطيني مثل توفيق المديني محسن العياري وعمر الماجري والتي ستصطدم بالسلطة مع مجي مزالي في الثمانينات لتشكل رافد استقطاب جديد وفاعل في الساحة السياسية الطلابية والشعبية ( مع ان حضورها في نضالات الشغيلة كان محتشما الى حدود الثمانينات ) اذ ركز ما صاروا يسمون انفسهم الوحديون الناصريون ثم الوحديون الاحرار ( مع بروز بوادر خلاف فكري بين من يتبنى طروحات الميثاق ومن يتبنى طروحات عصمت سيف الدولة حول اولوية الوحدة على الحرية او الحرية على الوحدة في مثلث بناء الدولة القومية حرية-وحدة-اشتراكية-) .خاصة على العمل الطالبي بدرجة اولى والتلمذي والشعبي بدرجة ثانية وكان الاستقطاب فكري سياسي من خلال مناظرات فكرية وسياسية شهدتها الجامعة وحتى في المعاهد مع التيار الاسلامي واليساري وكان لهم حضورا فاعلا خاصة في الاحداث ذات البعد القومي والمتعلقة بالقضية الفلسطينية دون تبني خط العنف ودون الدخول في النضال النقابوي الذين اعرضوا عنهم في الجامعة بمقاطعتهم الانخراط في اتحاد الطلبة UGET وحتى في الاتحاد الموازي للاسلاميين UGTE رغم ان هؤلاء عرضوا عليهم المشاركة في مؤتمره التأسيسي افريل 1985.وهذا ما يفسر ما اسميته في بداية العمل بهامشية الاستقطاب عندهم اذ انهم قد استفادوا من صراع الاسلاميين واليساريين بالنأي بانفسهم عن الاحتكاك بأحد هذين الطرفين ( يذكر ان الطلبة العرب القوميين كان ايضا لهم موقفا رافضا من انتخابات المجالس العلمية للكليات التي كان يتنافس عليها اليساريين والاسلاميين بدرجة اولى في ذلك الوقت) اما حضورهم في اتحاد الشغل فلم يبدا في النشاط المكثف الا اواخر الثمانينات ومع ازمة السلطة مع الاسلاميين لتصبح قاعدة الاستقطاب الجماهيري قاعدة اساسية في اجندتهم .
اللجان الثورية :
وهي الحركة القومية ذات التوجه الليبي والتي اعتبر البعض في تونس انفسهم امتدادا لها او جعلتهم الظروف يرتبطون بها قد يربط البعض وجود هذا التوجه بحركة التجمع القومي العربي الذي سيؤسسه ويشرف عليه الاستاذ البشير الصيد في ماي 1981 على مبادئ الاسلام والوطنية والقومية العربية والذي جاء على خلفية خلاف بين القوميين انفسهم ابان المناقشات في مسالة التحزب وقبول اللعبة السياسية العلنية حيث رفض الصيد الدخول في حزب يشرف عليه التليلي الذي كان محسوبا على السلطة ( عضو لجنة مركزية) قبل انتخابات 1981 التعددية .غير ان الحقيقة ان هذا الفصيل الذي لم يكن له وجود شعبي ولا جماهيري راهن على العمل من خارج وعلى استقطاب اطراف محدودة جدا بعد فرار مجموعات كثيرة منه للخارج بعد محاولة انقلاب 1962 بقيادة لزهر الشرايطي وخاصة بعد خلاف بورقيبة وعبد الناصر بعد 1967 حول مؤتمر دول عدو الانحياز والذي رفض بورقيبة المشاركة فيه معتبرا ان لا انحياز حقيقي الا لروسيا وامريكا ساخرا من عبد الناصر وان كان في الحقيقة ارتدادا لازمة خطاب اريحا الشهير1965 الذي راى فيه ناصر تخلي من بورقيبة عن مطلب العرب الاول وهو القضية الفلسطينية .بعد وفاة عبد الناصر اعتبر القذافي نفسه امينا للقومية العربية وان حدث تقاربا بينه وبين بورقيبة في البداية الا ان الرجل اي بورقيبة لم يكن يراهن حقيقة على وحدة عربية فسخر من القذافي في خطابه الشهير بقاعة البالماريوم سنة 1972 غير ان الرجل غفر له زلته ودعاه في 1974 في لقاء غير مبرمج في جربة الى اعلان الوحدة بين البلدين التي قبلها بورقيبة لكن رفض نويرة لها جعل الليبيين يخططون فيما بعد لاغتيال الرجل سنة 1978 ثم لاعتداء مسلح شهدته مدينة قفصة سنة 1980 ( انظر شهادة محمد مزالي ) جعل العلاقة مع ليبيا شبه مستحيلة توجت بطرد العمال التونسيين سنة 1985 .فكانت الحملة التي شنتها السلطات التونسية انذاك على ما سمي " الجبهة القومية التقدمية لتحرير تونس "سنة 1972 التي اتهمت بالاعداد لعمل تخريبي كان من بينها المسطاري بن سعيد عمارة بن ضوء نايل عبد العزيز سليمان مصطفى بن حامد سالم لسود ومنها ايضا طلبة وتلامذة واساتذة تمت محاكمتهم منهم ضوء بالسعود وعبدالله بن صالح ومحي الدين بالطيب وعبدالله بن نصر ...( مع ان اسماء كثيرة اقحمت اقحاما في هذه المجموعة وقد لايكون لها قرابة من فكر القذافي و لامن سياساته في المنطقة بل كانوا ناصريين اقرب لافكار عبد الناصر منها للعقيد ) .
وواضح ان هذه الجماعة معزولة جماهيريا وان تم توظيفها من هذا الطرف او ذاك الا انها ظلت فعلا ان صح تورطها مجرد حركة انقلابية ليس لها اي امتداد شعبي .( شخصيا لم اسمع بوجودها في الجامعة ولم يكن لها انصار او جماعة تتكلم باسمها ).

يتبع خاتمة

ليست هناك تعليقات: