الجمعة، 4 جانفي، 2008

مقال د.مصطفي الكيلاني :الحاكم الأوحد.. سجين الحاشية.. والمجتمع أسير اللامبالاة


الحاكم الأوحد.. سجين الحاشية.. والمجتمع أسير اللامبالاة
دورة فقدان الأمل

اذا حاولنا توصيف المشهد السياسي العربي اليوم تبين لنا في البدء ما يلي: هيمنة الفرد الأوحد في اغلب الانظمة الحاكمة علي الحزب الحاكم، وهيمنة الحزب الحاكم علي احزاب المعارضة، ان ثبتت حقيقة هذه الصفة، وهيمنة هذا الحزب علي الدولة، وهيمنة الفرد الاوحد في الاخير علي الدولة، وهيمنة كافة المنتفعين من الحكم، كطاقم المستشارين وبعض الوزراء وعديد المستثمرين الاقتصاديين وكبار الضباط في الجيش والشرطة والادارات المركزية بوزارات السيادة تحديداً، علي هذا الفرد الأوحد، وذلك بالحرص الدائم علي تمجيده وتقديسه والكذب عليه ووضعه في دائرة مغلقة تتحدد مكانا بسجن فاخر حد اذهال المخيال الشعبي، هو القصر الملكي او الرئاسي، علي حد سواء.
وكلما سعي الفرد الحاكم الي فك الطوق المضروب عليه بتغيير هذا الواقع السجني من خلال التفكير في توسيع هامش الديمقراطية تدخل هؤلاء المنتفعون من السلطة بمزيد من تقديس الحاكم الفرد والتطبيل والتهليل كي يضيع صوت الحق الشعبي في ممارسة الديمقراطية داخل ضجيج الشعارات وخطب الادانة والتخوين والمراهنة علي فولاذية النظام السياسي الهشة وانغلاقه المذهل حد الفوضي السائبة، اذ كل شيء مستقيم في الظاهر، بما يتراءي عند المشاهدة التلفزيونية وغيرها من وجوه مصففة والحان تمجيد ومحاصرة الكفاءات من مفكرين ومثقفين وعلماء بشتي الوسائل والأساليب.
ولأن الحد الفارق بين منفعة الافراد المستفيدين من الحكم التسلطي وبين المنفعة الشعبية في ممارسة الحق الديمقراطي يقاس بمدي تثقيف السياسة وكافة حقول الحياة المجتمعية، فان الصراع الدائر داخل المجتمعات العربية في الماضي والحاضر والمستقبل هو التغالب حول التعجيل في تنفيذ مشروع التثقيف المجتمعي، والسعي في الاتجاه الآخر الي تعطيله بمختلف الحيل، وبتعلات شتي، كالدعوة الي ارجائه لتوفير الارضية الملائمة له والترقي بالوعي عبر مراحل مدروسة ورفص الأنماط المستوردة بإنشاء ديمقراطيتنا نحن وتبعا لخصوصيات مجتمعاتنا.
الا ان نقطة البدء التي بها نخرج من سياق الجدل السفسطائي القائم اليوم حول تنفيذ الديمقراطية العربية والمتمثلة في التثقيف تظل غائبة او مرجأة بالغياب، ان المراهنة علي وزارات للثقافة والاعلام ترفع في الظاهر شعارات التثقيف المجتمعي وتعمل في الاساس والمرجع علي اجهاض كل المساعي التحديثية بالاجراء البيروقراطي ومحاصرة الفكر ومراقبة الابداع واحداث البلبلة داخل النخب الثقافية العربية بتمكين اشباه المثقفين من المركز الادارية ذات الصبغة الثقافية والعمل علي مزيد افسادهم بالجوائز التقديرية التي لا يستحقون في الغالب والترقيات الادارية ومنح الاوسمة وغيرها من الطرائق التي اضحت مفضوحة لدي الجميع، دون استثناء، وتنظيم الندوات والمؤتمرات ذات الصبغة الاحتفالية.
فيحرص اعداء التثقيف علي دعم انشطة المراكز في العواصم العربية وقصر العمل الثقافي في المحافظات (الولايات) وتخومها المحلية بأنشطة واجهاتية محدودة قصد الايهام بالشمول والتنوع. وبذلك يغيب التثقيف بغياب الثقافة الديمقراطية في الخطاب السياسي لتنطلق الخسارة به وتتعاظم في مجالات الحياة المجتمعية الاخري. فتنتصر الغوغائية علي ثقافة القيمة الديمقراطية، والبراغماتية الباهتة علي المعني الاخلاقي، والمصالح الفردية والفئوية الضيقة علي مصلحة الوطن والأمة جمعاء.
فكم عدد الصحف والمجلات العربية اليوم المخصصة لتنظيم منابر حوار ثقافي ديمقراطي؟ وكم عدد الفضائيات الداعية الي النقاش في مختلف قضايا مجتمعاتنا العربية الراهنة والمصيرية؟ ولماذا تصطبغ صحافتنا السياسية والأدبية والفنية في الغالب بالصفة الاختصاصية الضيقة المنغلقة علي ذاتها الفاقدة لأي نجاعة فكرية وقصد تأسيسي، كفيض النصوص الأدبية، والشعرية منها علي وجه الخصوص، وكأخبار الرياضة والرياضيين والفن والفنانين ممن حققوا انتشارا جماهيريا واسعا بنجومية مؤقتة لا تستند في واقع الانجاز الي قيمة ابداعية؟ ولماذا يغيب النقد الادبي والفني، والنقد عامة باعتباره احد اهم ثمرات الفكر الاختلافي، داخل هذه الصحف والمجلات، او ينحصر في اعمال محدودة مبتكرة لا تفي بالحاجة الي استنفار الهمم لتحقيق نهضتنا الثقافية وتقدمنا الحضاري؟
ولئن حضرت ثقافة التضليل وتزيين الواجهة بالأضواء الساطعة والألوان البراقة والوجوه او الاقنعة اللامعة، ايهاما بالحركية وحداثة الخطاب بادعاء تشريك الكفاءات وعامة المواطنين في اتخاذ القرار السياسي فإن التثقيف مشروع غائب تماما، او يكاد، عن الحياة المجتمعية العربية، لأنه في وقائع المجتمعات الديمقراطية المتقدمة عمل لا ينحصر وجوده في الواجهة، بل يتجه الي ما هو ابعد من القشرة الظاهرة، الي اعمق خلايا الذهن الفردي والجمعي، بثقافة جديدة اصيلة متفتحة علي الآخر/ الآخرين تراهن علي المعرفة العلمية والابداع والنقد واحترام حقوق الانسان والتسوية بين جميع الافراد بقطع النظر عن الانتماء الاسري او الجهوي او الاثني او الحزبي او الايديولوجي تجسيدا لمفهوم المواطنة وتأكيدا لمرجعية المجتمع المدني في تسيير الحياة السياسية العامة.
كذا يفصل الذهن السياسي العربي اليوم بين الثقافة باعتبارها عملا فئويا وظاهرة واجهاتية والتثقيف الذي يشمل جميع الفئات والمواطن في البناء المجتمعي العام بزمنية اوسع من اللحظة (الآن).
وكما تدفع الكفاءات العربية الي الهامش الوظيفي والمجتمعي وتمنع ثقافة المبادرة والاختلاف يجد المفكرون والمبدعون والمثقفون انفسهم في المواطن الخلفية حيث استحالة المبادرة والمشاركة الفعلية في الحياة المجتمعية، وقد يضطر بعضهم، وعددهم في تزايد، الي الهجرة او التسليم بالامر الواقع والاندماج في المؤسسة الوظيفية القاتلة للأمل ولحلم التغيير فيهم.
واذا خسائر المجتمعات العربية في المجال المعنوي والرمزي اكثر فداحة مما يتصورها الذهن الذي اعتاد علي تقدير الارباح والخسائر بالمال وتأثيث المكان بالمباني الشاهقة والطرق المعبدة والجسور والسيارات والمتاجر العظمي ومختلف اوجه العمارة، في عين تقدر المرابيح والخسائر بمنظور الكيان واستراتيجيا التقدم حاضرا ومستقبلا بمدي ما تحقق للانسان الفرد من حرية وعدل وديمقراطية دون التغافل عن اوجه الرفاهية المادية.
فيعني التثقيف، هنا، الانتصار لكرامة الفرد وحقه في الحرية، فكرا وقولا وعملا، اذ ما قيمة الرفاهية في مكان حابس وحبيس؟ وما النفع من مال جاهل وسياسة قامعة للجميع، دون استثناء؟ وما الذي يجنيه الفرد من وطن ـ سجن او من ديمقراطية مغشوشة يرادبها ذبح الوطن والثأر من حاكم مستبد؟ اليس النظام العربي المتقادم هو من اشد الانظمة فوضي في عالم اليوم: ثروات طبيعية ومالية مهدورة، كفاءات فكرية وعلمية وابداعية مشتتة، حريات فردية وجماعية مقموعة، فساد سياسي واداري هنا وهناك، جدل سفسطائي يباعد بالقصد بين اسباب التخلف الداخلية والخارجية، انهيارات اخلاقية نتيجة التفريط في قيمنا العربية والاسلامية مع الالتزام بقيم حداثية مغشوشة، ودون الاقتدار علي المؤالفة بينهما بثقافة تحديثية تنخرط في وقائع العصر، هذا العصر، وتندفع بإرادة فاعلة نحو المستقبل، لا مبالاة تتعاظم لدي الفرد وتدفعه الي التسليم بالأمر الواقع والاكتفاء بانتظار ما سيحدث، مستوي تعليمي ضعيف آيل الي مزيد من الانحدار نتيجة الاصلاحات البيروقراطية الفاشلة وضياع الاساس والمرجع الواضحين للمضمون التربوي وارتباك المقاصد والمناهج، المبالغة في تسييس الثقافة والاعلام الرسميين، التردد طيلة عقود الدولة الوطنية العربية بين رأسمالية الدولة شبه الجامدة بمخططاتها وبرامجها الانمائية وعهد الخصخصة المتوحشة، منذ الثمانينات علي وجه الخصوص والي اليوم في راهن زمن العولمة، ملفوظ الوحدة بشعارات فضفاضة فقدت جاذبيتها ومصداقيتها بمرور الزمن ومزيد من الانقسام والتشرذم علي ارض الواقع، حيرة السبل لجهل الخارطة السياسية للعالم اثناء الحرب الباردة واثرها؟ ان تثقيف الحياة السياسية والمجتمعية العربية اختيار راهني ومستقبلي لا بد منه، ان تأكد لنا الاقتناع بجدوي الخروج من فوضي النظام المتقادم الي نظام جديد يستفيد من فوضي التعدد الضرورية ذات القصد التأسيسي والتحديثي، ومن ديناميكية فكر الاختلاف للتوصل الي معرفة اسباب تخلفنا الحقيقي وحدس الاخطار المحدقة بوجودنا في المستقبل القريب قبل البعيد، ان لم نعجل في معرفة اسباب الداء وتوصيف الدواء الذي به يستحيل كياننا الي ذات قادرة علي الحياة في عالم القرنين الحادي والعشرين والثاني والعشرين. فما هي الاسس التقريبية التي بها وعليها نفكر في مشروعنا التثقيفي المذكور؟
أـ استثمار ما يتوفر للعرب من اسباب النهضة والتقدم ماديا، كوسائل الطاقة التقليدية والطاقات البديلة. فانقضاء النفط الوشيك في العقد الثالث او الرابع من هذا القرن وابتداء عصر الغاز اثره لا يمثلان اشكالا ماديا بالنسبة لهم، اذ يمور ما تحت الارض العربية بمخزون ثروات هائلة. اضف الي ذلك ثروات ما تحمله الخارطة الجغرافية الكبري بمختلف تضاريسها ومناخاتها ومواطن خصوبتها وصحاريها ومواردها المائية وشطآنها.
ب ـ الاعتماد علي ما يتوفر لأمة العرب من اسباب النهضة والتقدم معنويا ورمزيا، كالتراثات الزاخرة بأنفس العلوم وارقي الابدعات في العصر الوسيط، وما يستمر اليوم خصوبة وتألقا في الانتاج العلمي والابداع الفكري والثقافي، كآلاف العقول المهاجرة والكفاءات الوطنية التي قد تصنع المعجزات، ان اطلقنا سراحها من سجون العادة والرتابة الادارية والتدخل السياسوي في شؤون التعليم والبحث العلمي ورقابة اجهزة الدولة التسلطية للثقافة والمثقفين عامة.
ج ـ اعتبار اغلب المؤسسات الثقافية العربية اليوم هياكل ادارية بيروقراطية خاضعة هي الاخري لاحكام الايديولوجيا السياسوية التي تراهن علي الدعاية للأنظمة الحاكمة وتحرص علي الميزبين اتباع السلطة السياسية من اشباه المثقفين ومثقفي المجتمع، وقد اخذ دورهم منذ عقدين، تقريبا، في التراجع الوظيفي، لظروفهم المادية والمعنوية القاسية، وهجرة العديد منهم الي البلدان الغربية.
د ـ الانطلاق من ان تثقيف السياسة العربية بعضا من مشروع التثقيف المجتمعي الشامل. لذلك يستدعي هذا العمل تعاضد جهود الساسة والمثقفين والعلماء بإرادة جماعية مشتركة تفارق وتؤالف بين مختلف الوظائف.
هـ ـ اعتبار الديمقراطية الاساس البدئي والمرجعي، وذلك باعتماد مؤسسات الدولة والمجتمع في انجاز المهمة التثقيفية الشاملة واحترامها عند الالتزام بالتعاقد بين مختلف الحركات السياسية والمؤسسات والجمعيات وانتهاج سبيل الحوار ونبذ العنف وتغليب سلطة القانون علي كل السلط عند الاقتضاء والانتصار للمصلحة العامة علي المصلحة الشخصية مع احترام حقوق الفرد والتنصيص بوضوح علي كافة واجباته.
و ـ ان المجالس العليا التي بدأت تظهر هنا وهناك في عديد البلدان العربية بمقاصد مختلفة قد تقدر ان توفرت لديها الكفاءات وشروط العمل الحر والحصانة والدعم المالي والأمني والقضائي، علي وضع البرامج ومتابعة تنفيذها بواسطة اجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع المدني وجمعياته.
يكفي ان نتمثل البداية ونعلنها. ولكن كيف؟ ومتي؟

الدكتور مصطفى الكيلاني
ہ كاتب من تونس

(المصدر: صحيفة "القدس العربي" (يومية – لندن) الصادرة يوم 03 جانفي 2008)

هناك 4 تعليقات:

أنيس يقول...

هذا مقال لا يخلو من الجرءة و الذكاء !

غير معرف يقول...

مقال جميل جدا ! بل يمثـــل مرجع من مراجع الفكر ! و على الأقل أنقذ التدوين التونسي هذه الأيام من ما يشبه الكتابة .

شكرا للناقد و للدكتور مصطفي الكيلاني.

قاسم

abunadem يقول...

شكرا انيس على الزيارة


قاسم .فعلا الدكتور مصطفى الكيلاني مرجع من مراجع الفكر في تونس وهو استاذي واجله ويعتبر من الوجوه الفكرية والنقدية العربية يساهم في انتاج العديد من المجلات الفكرية في العالم العربي اليوم مثل الفكر العربي المعاصر وكتابات معاصرة.

Issam يقول...

عجبت من المثقفين كيف ملكوا غيرمصطفى الكيلاني