الأربعاء، 16 جويلية، 2008

قراءة نقدية في " اثر الفراشة" لمحمود درويش ؟؟؟

اطلعت اليوم في جريدة العرب الاسبوعي الصادرة بلندن مقالا نقديا جيدا لديوان محمود درويش الاخير " اثر الفراشة " كتبه احد اصدقاء واتراب الشاعر محمود درويش ولا يمكن ان يفهم الشاعر درويش الا شاعرا او معايشا لمعاناته مند التهجيرة الاولى من قريته البروة الى التهجيرة الثانية في الدات بعد النكبة الى العودة بعد اوسلو وملامسة اثر حجارة بيته حيث ولد وحيث تستحيل الحجارة نفسها اثرا ومعنى لروح الشاعر المشرد الدي شبه نفسه بالفراشة المترحلة في ديوانه الاخير والتي تعبق من زهور لم تعد لها سوى رائحة واحدة :الترحل والغربة والتهجير ينضاف لها احساس الادلال والهزيمة ....تلك هي اثر الفراشة وادكر ان درويش بعد 82 خرج من حصار بيروت بديوان لابي الطيب المتنبي وحين سئل عن مغزى دلك اجاب بان ما كتبه درويش في ربع قرن لا يساوي نصف بيت للمتنبي : على قلق كأن الريح تحتي ؟؟؟؟؟؟
المقال كتبه خالد كساب محاميد
محمود درويش بين “أثر الفراشة” و”على محطة قطار سقط عن الخريطة”
لم نستطع نحن الفلسطينيون في “اللجُّون الثقافية” أن نتمالك انفسنا ونكتم خوفنا ورهبتنا ونمنع الدمع العصي من الانهيار على الوجنتين حين تداولنا “أثر الفراشة” ، الإنتاج الأخير لمحمود درويش. كان الجو العام الذي تركته النصوص في هذا الكتاب وكأن شاعرنا محمود درويش ؛ بوصلة احساسنا الوطني ؛ يرثي نفسه وبذلك يرثي قضيتنا الفلسطينية ويدخل حقبة جديدة من اليأس بعد أن زرع فينا في ديوانه “أحد عشر كوكبا” “لم نعد قادرين على اليأس أكثر مما يئسنا، والنهاية تمشي إلى السور واثقة من خطاها فوق هذا البلاط المبلل بالدمع… “.
هو محمود درويش اللاجئ الفلسطيني الطفل ابن السابعة الذي هُجِّر من قريته البروة إثر معركتين الأولى حين نزح أهله بعد معارك مع القوات الصهيونية والثانية بعد أن استعاد أهله القرية بقوة سلاحهم عادت القوات الصهيونية لتدحرهم فيُهجَّر مع ابيه وجدِّه الى لبنان ليعود كالمتسلل الى وطنه ويشب ليكون شاعر اللاجئين الفلسطينيين شاعر الشعب الفلسطيني الذي عاش ويعيش قضيتنا ويعبر عنها منذ المخاض الأول في كل تفاصيل عذاباتنا وآلامنا وأحزاننا وأتراحنا وآمالنا ورؤيتنا وتفاؤلنا ورؤية البصيص من الإمكانيات لتمكين اللاجئين المنفيين للرجوع إلى وطنهم.وعندما يرثي محمود درويش نفسه لا يتبقى لنا نحن إلا أن “نتحسس أعضائنا لنطمئن” على أن لا نزول وقضيتنا. وعلينا أن نعد دقات قلبنا لنطمئن أن بإمكاننا تحمل رؤية “أثر فراشتنا الذي لا يُرى ولا يزول” في “انتصار الخيالي الخفيف على فساد الواقعي”(على محطة قطار سقط عن الخريطة).
تذكرنا بأن عمنا سليم أبن حسين وآمنة في “أبد الصبار” تحسس مفتاحه مثلما يتحسس أعضائه واطمأن” كما جاء في “لماذا تركت الحصان وحيدا” واتخذنا مسألة تحسس المفتاح كوصفة طبية موثقة لعلاج اللاجئين وبالأخص الفلسطينيين منهم – ملحمة العصر- لندخل في “صراط الذين أنعمت عليهم” تحت رحمة “يداً من ضباب ؛ يداً ما إلهية أسعفتها” (أثر الفراشة) كما أسعفت البنتَ/الصرخة هدى الغالية من مجزرة البارجة على شاطئ غزة فأصبحنا نقلد هدى الغالية في صراخها فنادينا ” أبي يا أبيّ! قمْ لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!”.
فكان لنا أن نعود إلى ” لماذا تركت الحصان وحيدا” بنصوصه من جديد التي تصف أكثر ما تصف المكان الفلسطيني وكان أن قررنا ، على الرغم من أننا لم نعرف بأن محمود درويش سيكتب ” لا أحب خلاص ذاتي بالمجاز ، ولو أرادتني الكمنجةُ أن أكون صدىً لذاتي” في قصيدته الأخيرة (على محطة قطار سقط عن الخريطة) ، أن نتهيأ بكامل مفاتيحنا ونمتشق صراخنا “أبي يا أبي” لأن آبائنا كلهم “سليم ابن حسين ابن آمنة” ” ونعتمر الخوذ ونسرج الخيل ونشحذ ذاكرتنا ونُسَخِّرُ ” مكر المجاز” ونصعد الى البروة الجليلية المهجرة لنتحسس رجم حجارة البيت المهدم الذي ولد فيه محمود درويش والذي يستأنس بمربط الفرس لنتمكن من أن نستوعب بكامل أحاسيسنا ما يريد أن يقوله ” تلميذ الفراشة” أو كما يصف نفسه ” وإذا كتبت: هي الفراشةُ أُختيَ الصغرى”ولكي لا يوجه لنا ما قاله [الى ناقد] : لا تفسر كلامي بملعقة الشاي أو بفخاخ الطيور.” (حالة حصار) أو أن يشبهنا باؤلئك الذين “حركوا المعنى بملعقة الحساء” (أثر الفراشة) وذلك أن البروة كما وَصَفَها لنفسه في “يوميات الحزن العادي” “تحولت قريتك الغامضة ذات الأزقة الضيقة الواقفة على مرتفع صغير في سهل عكا، إلى حلٍ لمشكلة لا تفهمها” ومن هنا كان بحثنا عن الحل لمشكلتنا في فهم نصوص درويش الجديدة والقديمة والمستقبلية يتمحور في تواجدنا في ذلت البروة المهجرة نفسها لنتمكم من التخيل ما كتبه في “مر القطار” “مر القطار سريعا ؛مر بي، وانا مثل المحطة، لا أدري أودع أم استقبل الناس” ولنتعايش كيف كان يستدل على بروته من خلال رؤيته ” شجرة الخروب الضخمة التي بدأت منها البحث عن أمي قبل سنين” وكيف كان جده “قليل الدراية بالتجارة، فخسر الصفقة ولكنه ربح فرصة للتمدد ساعات طويلة في حقله القديم” وكيف كان جده “يقضي أيامه أمام باب الحاكم العسكري في انتظار تصريح سفر الى مدينة عكا لا لشيء إلا ليرى أرضه من خلال نافذة سيارة الباص” في حين يمنعه الحاكم العسكري النزول في محطة البروة على خريطة فلسطين.
هذه هي البروة المهجرة في حياتنا نحن الفلسطينيين وهي جُدَّريَّة وعينا ومركز أعصابنا نحن المهجرين. وكل العالم يدور في فلكها وفلك باقي القرى ال531 المهجرة وحولها.
وكان لنا راضي عبد الجواد أحمد فوزي ابو بكر وعادل خليفة بمعيتي لنأخذ قسطنا من “العلاج التهجيري”، أن قمنا بزيارة استكشافية للبروة المهجرة ووجدنا بناية المدرسة التي تعلم فيها محمود درويش حتى نهاية الصف الثالث وبداية التهجيرة الفلسطينية واقفة شامخة بكامل مفاتنها ورأينا اللوح الأسود الذي كتب عنه “في حضرة الغياب” “للحروف البيضاء على اللوح الأسود مهابة فجر ريفي”. استقبلنا العشب الربيعي حول المدرسة، والهواء داخل الصف كان يابسا وجف في مخيلتنا أكثر كلما سمعنا صوت أبراهام وزمرته ” يرشفون الشاي في كوخ سليم درويش وراء حاجز حديدي واسقبلنا الصبار، والأسلاكُ الحديدية استقبلتنا في البروة تحجز صراخ محمود درويش ابن السابعة يستعين “بشجر النخيل ينقح الفصحى في لغتي” داخل المدرسة.
عندها استوعبنا كيف ان تحسس الطحالب على رجم حجارة البيت الذي ولد فيه محمود درويش ولربما يكون هذا الحجر مشكاة خبأت فيها أمه قليلا من القهوة والخبز بعد أن مررت لمسة يدها عليها ليلة التهجيرة الكبرى في ربيع 1948 هو ما سيشحن هويتنا بنبضات قلب يلخص تجربة اللجوء الى ملحمة يقودها عقلنا الى الانتصار وليس بالمجاز فقط. فهمنا انها زيارة ستملأ رئاتنا بهواء لربما ما زال يحتفظ برائحة تبغ حسين درويش وستملأ قريحتنا بما قاله درويش في “سنونو التتار” “لنا حلم واحدٌ: أن يمر َّ الهواء صديقا، وينشرَ رائحة القهوة العربيّةِ فوق التلال المحيطة بالصيف والغرباء…”.
نصوص “أثر الفراشة” اشعرتنا بالقلق وأصبحنا وكأن الريح تحتنا كما قال المتنبي عندما قرأنا “ألمشهد هُوَ هُوَ. صيفٌ وعرقٌ، وخيالٌ يعجز عن رؤية ما وراء الأفق.” في قصيدة “ذباب أخضر” وكانت شدهتنا أعمق حين تمعنا في “أنت منذ الآن أنت” التي تختم الكتاب وتصف رحلته إلى الكرمل في السنة الماضية في قوله ” لم أر جنرالاً لأسأله: لإي أي ّ عامٍ قتلتني ؟ لكني رأيت جنودا يكرعون البيرة على الأرصفة. وينتظرون انتهاءالحرب القادمة، ليذهبوا إلى الجامعة لدراسة الشعر العربي الذي كتبه موتى لم يموتوا .وأنا واحد منهم!” وكأن رجوعه للكرمل ولحيفا “فتوش” “مؤلفه الآخر” هو” باطنه الشفيف” وليس الرجوع للبروة هو ما يرجعه إلى هويته ” باطنا الدليل” وعندها كان لي ما يكفي من الكلمات ليعلوا المجاز على الوقائع لأحدس وأخاف من “أنت منذ الآن أثر لا يُرى”. وهذا كان مشهدا نجد فيه ما يجعل محمود درويش لا يستدل على أثره لأنه لا يُرى ولكنه لا يزول فجاءت قصيدة ” أَثر الفراشة” ذروة ما كتب في الشعر العالمي والتي يقول فيها :أَثر الفراشة لا يُرَى ، أَثر الفراشة لا يزولُ.هو جاذبيّةُ غامضٍ ، يستدرج المعنى، ويرحلُ حين يتَّضحُ السبيلُ.هو خفَّةُ الأبديِّ في اليوميّ،أشواقٌ إلى أَعلى وإشراقٌ جميلُ.هو شامَةٌ في الضوء تومئ حين يرشدنا الى الكلماتِ باطننا الدليلُ.هو مثل أُغنية تحاولُ أن تقول، وتكتفي بالاقتباس من الظلالِ ولا تقولُ أَثرُ الفراشة لا يُرَى ، أُثرُ الفراشة لا يزولُ!” وعندها تفكرت قليلا لأقول : ماذا لو كان لمحمود درويش ولدا أو بنتا بعد ان تأطر في زواج كباقي الفبسطينين؟ فهل كان سيشعر بأنه فراشة؟
“أثر الفراشة” هي القصيدة التي يريدنا محمود أن نتذكر تجربة حياته بواسطتها , فهو أخ الفراشة وتلميذها ، وهو اللاجئ الذي يتنقل من زهرة الى أخرى ليبقى أثره هناك ويساهم في عملية استمرار الحياة لغيره بمساعدة الأزهار على عملية اللقاح. فرغم أننا نجد في جميع نصوصه بأن ما يكتبه إنما هو فكر يلخص تجربة شعب لاجئ. والفكر لا يرى ولكنه لا يزول.
من هنا رأينا النصوص الحزينة التي تفقد الأمل في الانتصار وفي حدسه بأن دوره – دور الشعب الفلسطيني- بدأ في فقدان الرهبة والتأثير على مجمل المعادلة السياسية بيننا وبين “العدو الذي يشرب الشاي في كوخنا”.وهكذا نقرأ في “ليتني حجر: لا أَحنُّ إلي أيِّ شيءٍ/ فلا أَمسِ يمضي، ولا الغَدُ يأتي/ولا حاضري يتقدَّمُ أَو يتراجَعُ/لا شيء يحدث لي!/ليتني حَجَرٌ ـ قُلْتُ ـ يا ليتني حَجَرٌ ما ليصقُلَني الماءُ/ أَخضرُّ، أَصفَرُّ … أُوضَعُ في حُجْرَةٍ مثلَ مَنْحُوتةٍ، أَو تماريـنَ في النحت…أو مادَّةً لانبثاق الضروريِّ من عبث اللاضروريّ …يا ليتني حجرٌ كي أَحنَّ إلي أيِّ شيء!”وهكذا نقرأ “في نسر علي ارتفاع منخفض” ” قال المسافرُ في القصيدة / للمسافر في القصيدة: كم تبقَّي من طريقكَ؟ / ـ كُلُّهُ / ـ فاذهبْ إذاً، واذهبْ كأنَّكَ قد وصلتَ … ولم تصلْ”
أمام هذه النصوص لم نتمالك أنفسنا .وإن كانت قمة في التعبير عن السايكولوحيا الفلسطينية كما يتضح من قصيدة نقده لحالة التمزق الفلسطينية في “بندقية وكفن” ووصف حالة واقعنا تحت احتلال بشع في قصيدة ” شجرة الزيتون الثانية” .في قصيدتي “الجدار” و”شريعة الخوف” يظهر لنا رؤية ثاقبة لحالة عدونا الذي يقتلنا ويبني حولنا جدرانا ويبقى هو خائفا وكأننا نقتل له 6 ملايين في كل طلب لنا منه أن يتيح لطالبة مدرسة أن لا توسخ ثوبها بغبار ورشة بناء جدار” دفاعات المحرقة” العنصري .وهي قمة في التعبير عن التجارب الإنسانية التي يعتاشها البشر أينما كانوا . هذه من روائع النصوص العالمية التي تنهمر عليها دموع حسين وسليم وآمنة وحورية درويش ودموع كافة أبناء الشعب الفلسطيني اللاجئين فتصبغها بصبغة العذاب الضروري لسبر غور النفس الإنسانية.
إلا أننا في “اللجون الثقافية” وكأن أمر ما إلهي جاء ليقول لنا “يا أيها المدثر قُمْ”! فوجدنا أنفسنا قائمين متوجهين إلى البروة المهجرة لنجعل “أثر” محمود درويش مرئيا لنجعله “حَجَراً ما ليصقُلَني الماءُ/ مثلَ مَنْحُوتةٍ.”ولأننا نعيش نحن هنا بالقرب من قرانا المهجرة التي بقيت “كوشم ذاب في جسد المكان” والمحاطة بأسلاك الحديد والصبار والأعشاب وبقية الستة ملايين من اللاجئين الفلسطينيين لا يتمكنون من زيارة مواقع قراهم المهجرة وعلى الرغم من أن الدخول الى هذه المواقع يقوم بمخالفة جنائية في نظر القانون الإسرائيلي كما كتب درويش في” يوميات الحزن العادي ” إذا وطئت قدماك هذه الأرض – أرضك ساقوك إلى المحكمة ومن المحكمة إلى المنفى” تخيلنا أنفسنا وكأننا فراشات نتنقل باسم اللاجئين بين قرية مهجرة الى أخرى نحيي الأموات فيها ونَعدهم بالرجوع وإرجاع اللاجئين.
وحين وصلنا البروة المهجرة تذكرنا حديث محمود مع أبيه سليم. ” – ماذا تفعل يا أبي؟ - أبحث عن قلبي الذي وقع في تلك الليلة. – وهل تجده هنا؟ - أين أجده إذن! أنحني على الأرض وألتقطه حبات حبات كما تجمع الفلاحات، في تشرين، حبات الزيتون. – لكنك تلتقط حصى! – شيء كهذا يمرن الذاكرة والبصيرة. وما أدراك قد يكون هذا الحصى تكلس قلبي. وإذا لم يكن – أكون قد تعودت على محاولة البحث وحدي عن شيء حين ضاع ضيّعني.” وبدأنا نجمع الحصى من البروة لنرسم عليه صور محمود درويش ونكتب عليه أشعاره.
ولكننا كنا واجمين لأن من يصل ويقترب من طلليات القرى المهجرة يصيبه وصف درويش في قوله ”وقفتُ علي المحطة. كنت مهجوراً كغرفة حارس الأوقات في تلك المحطة. كنتُ منهوباً يطل علي خزائنه ويسأل نفسه: هل كان ذاك العقلُ / ذاك الكنزُ لي؟” هذا ما حدث للشاعر زياد محاميد عندما سبق في السنة الماضية ان طلبنا منه أن يرافقنا في الرحلة الرابعة لقرية السجرة المهجرة عندما ألصقنا رسومات الفنان ناجي العلي على حجارة بيته المهدم فقال هذا عمل “مجانين” لكنه عندما قدم الى الموقع اصابه النهب والتهجير كغرفة حارس الأوقات في المحطة. هذا ما حدث للشاعر عادل خليفة في البروة وبالطبع نحن الذين ابتدأنا بالعمل كنا قد مررنا نفس الطقوس. هضا هو الشعور العام الذي يصيب الفلسطيني عندما تلامس خلايا عقله وحجارة البيوت المهدمة ولهذا استغربت من تساؤل مُضيف محمود درويش في أمسية الكرمل : “ما هذا الهَوَس لديكم محمود درويش وأنتم المهجرين على القرى المهجرة؟!” وكأن القضية الفلسطينية ليست قضية قرى مهجرة ولاجئين بل قضية تنظيم عقد أمسية شعرية على مسرح يحمل اسم صهيوني في حيفا والمضيف قائد ليس بالصغير.
وكنا متجهزين عندما وصلنا يوم سبت إلى بناية المدرسة التي تعلم فيها درويش في البروة والتي تكونت من غرفتين جدرانها من حجارة “مقالع الصخر” جميلة ونظيفة وملائمة لما عزمنا للقيام به : كتابة أشعار محمود درويش على واجهة المدرسة وإلصاق صوره وصور من غلاف كل كتاب أصدره وصور زملاءه العرب والفلسطينيين الذين يرافقوننا النضال للرجوع الى البروة.
تشبه هذه البناية مباني محطات القطار وفي وقوفها هناك بين التلال الأبدية تطل على البحر الذي تتخذه الشمس سريرا لها كما وصفه درويش ” وهناك سائحةٌ تصوّر مشهدين:الأوّلَ، الشمسَ التي افترشتْ سرير البحرِ / والثاني، خُلوَّ المقعدِ الخشبيِّ من كيس المسافرِ”والبناية/المحطة داعبت خيالنا لدرجة شعرنا بأنها قلب فلسطين يدق حولنا بنبضاته ونحن نشاركه وتيرته الموسيقية نتفحص “عواطفنا الخبيئة في جماليات شيء ما بعيد” بعد أن أدركنا بأن “المحطةُ مثل وشم ذاب في جسد المكان ” فقررنا أن نرسم الوشم ثانية ونحييه فبدءنا بمهمتنا في كتابة “الجدارية” على جدار المدرسة. ولم نكن بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا : ” ألا تزال بقيتي تكفي لينتصر الخياليُّ الخفيفُ على فساد الواقعيِّ؟ ألا تزال غزالتي حُبلَي؟” لتيقننا بأننا نستطيع بواسطة “مكر المجاز” أن ننتصر على “العدو الذي يشرب الشاي في كوخنا” دون أن ننتظر “آخر الركاب من احدي جهات الشام حتي مصر لم يرجع ليدفع اجرة القناص عن عمل اضافيٍّ كما يتوقع الغرباء.” لأننا ندرك بأن مصائر الشعوب والبرامج السياسة والدينية والعاطفية ما هي إلا انعكاسها في مخيلة العقل الإنساني فللذلك قلنا لا بأس بتقبلنا إنتصارنا بالشعر لتكمل مقولة درويش “خلاص ذاتي بالمجاز”
ولم ننس ما قاله درويش مرة “أخشى أن يتفوقوا(الإسرائيليون) علينا شعريا، هذه ستكون نهايتنا” وما قاله شاعرنا سميح القاسم هذه الأيام ” ليس على الأرض ما هو أكثر واقعية من خيال الشعراء” .
هكذا عملنا أربعة أسابيع متتالية نرسم ونلصق في المكان الذي تساءل عنه درويش ” هل كان هذا اللازورديُّ المبلَّلُ بالرطوبة والندي الليليِّ لي؟ ” ونحن نتتبع الطبيعة ونفهم السؤال”هل كنتُ في يوم من الأيام تلميذَ الفراشة في الهشاشة والجسارة تارة، وزميلها في الاستعارة تارة؟ هل كنت في يوم من الايام لي؟ هل تمرض الذكري معي وتُصابُ بالحُمَّي؟” لنتمكن من أن نعطي لمخيلة درويش الجواب بأننا في قلب الخريطة نبني ولو بالمجاز خريطتنا.
نشرنا ما قمنا به في موقعنا اللجون www.ellajon.com” واتصلنا بمن اتصلنا من أهل البروة وفي ذكرى الستين للنكبة سررنا متفاجئون لقراءة قصيدة محمود درويش “على محطة قطار سقط عن الخريطة” حين أصبحت له الإمكانية أن يكتب ”(أري أثري علي حجر،فأحسب انه قَمَريوأنشدُ واقفاً)طللية اخريوأُُهلك ذكرياتيفي الوقوف علي المحطة.” …“وقفتُ في الستين من جرحي.وقفتُ على المحطة،لا لأنتظر القطار ولا هتاف العائدين من الجنوب الي السنابل،بل لأحفظ ساحل الزيتون والليمون في تاريخ خارطتي. “…
وعندها تكون البروة هي المرشد الوحيد لفكر وذاكرة درويش وليس فقط تنظيم أمسية على مسرح عند مضيفه في حيفا الذي لم يستوعب موقع رجم حجارة من بيت مهجر في النفس الفلسطينية:
“لا شيء يرشدني الي نفسي سوي حدسي.”…وحينها يطمآن :” قلت: يمكنُ.. كل شيء ممكنٌ.فَعِمِي مساءً، واتركيني الآن كي أخلو الي الموت.. ونفسي!”ويهتف شعرا خطابيا حماسيا مباشرا للمرة الأولى منذ عقدين”
“أنتَ أنتَ ولو خسرتَ. أنا وأنتَ اثنانفي الماضي، وفي الغد واحد. مَرَّ القطارولم نكن يَقِظَيْنِ، فانهض كاملاً متفائلاً،لا تنتظر احداً سواك هنا.”
وللحجر في ثقافتنا الفلسطينية مكانة يستقيها من رجم حجارة البيت المهدم الذي لا بد أن نستعيده وفيما إذا أضفت بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد قال حول حجر في مكة “إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن ُأبعث ؛إني لأعرفه الآن” لأضفينا بُعدا إلهيا على وعينا لمقام الحجر في ثقافتنا. ولهذا كان مهما لنا ان نرى صورة محود درويش هلى حجارة بيته
وعندما يرى أثره الذي كان في السابق لا يُرى، على حجرٍ تَكَلُّسِ قلب أبيه في البروة المهجرة يصف نفسه ضيفا على نفسه يشرب نعناعا خالدَ المذاق مع الأحياء من “اللجون الثقافية” الذين أعادوه لجدار مدرسته في البروة:
(ضيفاً علي نفسي أحلُّ )هناك موتى يوقدون النار حول قبورهم.وهناك احياءٌ يُعِدّون العشاء لضيفهم.وهناك ما يكفي من الكلمات كي يعلو المجاز على الوقائع.كلما اغتمَّ المكانُ أضاءه قمر نُحاسيٌّ وَوَسَّعَهُ. انا ضيف علي نفسي.ستحرجني ضيافتها وتبهجني فأشرق بالكلاموتشرق الكلمات بالدمع العصيّ.ويشرب الموتى مع الأحياء نعناع الخلود،ولا يطيلون الحديث عن القيامة
وهنا التحول الذي تحدثه صور مجازية لأعضاءه وأسمائه عادت إلى البروة في أنه حان الآوان أن لا يصدق غير حدسه ويفهم بأن لا بيارق ولا خيول غير الفلسطيني ستعينه :
” كم كنا ملائكة وحمقي حين صدقنا البيارق والخيول، وحين آمنّا بأن جناح نسر سوف يرفعنا الي الأعلي!
(سمائي فكرةٌ. والأرض منفايَ المُفَضَّلُ)كلُّ ما في الأمر اني لا اصدق غير حدسي. للبراهين الحوار المستحيلُ. لقصة التكوين تأويلُ الفلاسفة الطويلُ. لفكرتي عن عالمي خَلَلٌ يسبّبه الرحيل. لجرحي الأبديِّ محكمة بلا قاض حياديٍّ. يقول لي القضاة المنهكون من الحقيقة: كل ما في الامر أن حوادث الطرقات أمرٌ شائع. سقط القطار عن الخريطة واحترقتَ بجمرة الماضي. وهذا لميكن غزواً!ولكني اقول: وكل ما في الأمر انيلا اصدّق غير حدسي”
وكان حدسنا يرشدنا إلى امكانية مواجهة المستوطنين اليمنيين في البروة المهجرة فتسلحنا بمجاز سميح القاسم ومحمود وبفهمنا لقصيدتي “الجدار” وشريعة الخوف” في “أثر الفراشة”.
وحينها يكون السؤال ما هو أكثر واقعية في مواجهة “أبراهام” الذي يشرب الشاي في كوخ جد محمود درويش في البروة المهجرة غير ما واجه به إدوارد سعيد حين توجه إلى الجنود الإسرائيليين الذين حرسوا عمل جرافات الاحتلال التي جرفت أراضي أهلنا على الطريق من القدس إلى الخليل لتوسيع شارع لمستوطنة عرضه 120 متراً بتلخيصه المحاججة “.” أتذكّرُ قولي له (للجندي) إنّ الحجّة نفسها اُستُعملت في ألمانيا قبل ستين سنة ضدّ اليهود، وها هم اليهود يستعملونها ضدّ ضحاياهم الفلسطينيّين. لم يجب (الجندي الإسرائيلي)، بل ذهب ليقف بعيداً.”فلذلك كان لي خيال جامح عندما تزودت بكراسة تشرح عن عذابات اليهود في أوروبا تحت نير النازيين لأواجه به من ستعترضنا من يهود مستوطنة “احيهود” فيما لو جاءوا ليمنعوننا من إلصاق “إثر أعضاء وأسماء محمود درويش على حجارة بيته. وهذا ما توجهت به للشاعر عادل خليفة عندما سألني “ما لنا وبصور محرقة اليهود في البروة المهجرة؟” وعادل هو مؤمن بالله صادق ويقوم بفرائض الإسلام على أتم وجهها فكان يكفي مني أن اقول له لا نخاف نحن من محرقة اليهود وليس استجداءا وليس تعاطفا بل لمواجهته بما يصده عن ممارسة الظلم محتميا بالمحرقة عملا بالأية الكريمة “وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَِ” أو إذا أردنا أن ننور القراء بتشابه المنطق الديني فنشير الى سيدنا المسيح في مواجهته “لخصومه” واصطداماته مع مخاطبيه حين قال «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!» وذاك يعني أن نهاجم خصومنا من خلال وعيهم هم.ولهذا وبتيقننا من مشاعرنا لمحيطنا الفلسطيني الذي ترعرع فيه درويش لم نكترث لردة فعل المستوطنين الذي عملوا ويعملون على طرد كل فلسطيني يحاول ان يقترب ليلتقط صورة لآثار البيوت في البروة وهذا ما حصل للدكتور مصلح كناعنة الذي يدير موقعا الكترونيا www.jalili48.com يوثق فيه بالصور القرى المهجرة حين زار حديثا البروة ومُنع من التقاط صورة للمدرسة إياها وكأن لسان حالنا حاول أن يقول (أقول لمن يراني عبر منظار علي بُرْجِ الحراسةِ:لا أراكَ، ولا أراكََ ) ويعود ويكرر
(أقول لمن يراني عبر منظار علي بُرْجِ الحراسةِ:لا أراكَ، ولا أراكََ )
أري مكاني كُلَّهُ حولي. أراني في المكان بكل أعضائي وأسمائي. أري شجر النخيل ينقّح الفصحي من الأخطاء في لغتي. أري عادات زهر اللوز في تدريب أغنيتي علي فرح فجائيٍّ . اري أثري وأتبعه. أري ظلي وأرفعه من الوادي بملقط شعر كنعانية ثكلي. أري ما لا يُري من جاذبيةِ ما يسيل من الجمال الكامل المتكامل الكُليِّ في أبد التلال، ولا اري قنّاصتي.
هكذا كان لنا نحن الفلسطينيون في “اللجون الثقافية” بأن تحررنا من الخوف الذي تركنا فيه “أثر الفراشة” عندما قرأنا في ذكرى الستين للنكبة “على محطة قطار سقط عن الخريطة. هذا كان تفاعلنا مع حجر مدرسة محمود درويش ونحن نتبعه لحتى عودتنا الى قرانا المهجرة.
ام الفحم – اللجون المهجرة2008-06-10

ليست هناك تعليقات: