الخميس، 29 ماي، 2008

معركة برج دوز 29/05/1944 : تمرد "نظاميين" أم هبّة "قبلية" ؟


هذا جزء من عمل أكاديمي أنجزه الطالب الذهبي مسعودي

تحت إشراف الأستاذ فتحي ليسير لنيل شهادة الماجستير في التاريخ المعاصر بعنوان

"انتفاضة المرازيق 1943-1944 : هبّة قبليّة أم تمرّد نظاميّين ؟"

وهو الفصل الرابع بعنوان : نتائج الانتفاضة ودلالاتها

نورده على أجزاء تعميما للفائدة

الجزء الاول


طبيعة الانتفاضة : تمرد نظاميين أم هبّة "قبلية" ؟

أشرنا في فقرات سابقة من هذا العمل إلى أن دخول قوات المحور إلى منطقة نفزاوة خلال ديسمبر 1942 كان فرصة لعدد كبير من فرسان المخازنية وجنود "القومية" للفرار من مراكز عملهم ورفض الانصياع لأوامر رؤسائهم الضباط الفرنسيين القاضية بالتحول معهم إلى التراب الجزائري. وذكرنا أيضا أن هؤلاء النظاميين الفارين والمتمردين قد شكلوا إلى جانب بعض الأهالي من قرى منطقة نفزاوة سندا لقوات المحور وذلك من خلال تقديم الدعم اللوجستي والعسكري لهذه القوات ضد القوات الفرنسية الديغولية التي كانت تشن غاراتها انطلاقا من التراب الجزائري مدعومة بالقوات الحليفة المتمثلة خصوصا في السراي البريطانية والطيران الحربي الأمريكي. كما لعب هؤلاء النظاميون الفارون إلى جانب بعض الأهالي دورا هاما في حماية قرى دوز والصابرية والفوار وغيدمة من هجمات السرايا الفرنسية التي تتكون أساسا من "القوم" الجزائري. وبعد انسحاب قوات المحور من قرية دوز يوم 23 ماري 1943 وبرجوع القوات الفرنسية الديغولية بقيادة الضابط لوشفرتـــــال (LE CHVRETEL) ونظرا لسياسة الانتقام الغاشمة التي مارسها الفرنسيون تجاه الأهالي بدعوى تعاونهم مع المحور تحول هذا التمرد النظامي إلى هبّة قبلية وذلك بانظمام كل الناقمين على الإدارة الاستعمارية إلى المعسكر الرافض والالتحاق بالعصاة الذين لاذوا بالجبال. وبذلك التحم المخازنية و"القومية" "المتمردون" بالأهالي الثائرين

.

ونلاحظ بخصوص هذه الانتفاضة أن هؤلاء النظاميين المتمردين قد لعبوا دورا هاما في جميع مراحلها وذلك من خلال إفادة رفاقهم الثائرين بخبرتهم العسكرية وحسبنا هنا أن نشير إلى دور علي الصيد وعلي جلاوط العذري. لقد بينا في فقرات سابقة أن المخزن الأمني لعب دورا هاما في حركة المقاومة المسلحة خلال الفترة الاستعمارية، وذلك من خلال الدعم المباشر من خلال الانضمام إلى هذه الحركات أو الدعم الغير مباشر ونعني بذلك التستر على نشاط الثوّار. ففي انتفاضة الودارنة سنة 1915 التي التحم فيها أهالي ورغمة ومن معهم من أهالي الجنوب التونسي بالمجاهد الطرابلسي خليفة بن عسكر النالوتي ضد الاحتلال الإيطالي والفرنسي، لم يتردد أعوان المخازنية و"القومية" في الفرار من مراكز عملهم والالتحاق بالثوار. ونذكر في هذا السياق بنشاط بوبكر بن غرس الله (شهر ابن قطنش) الذي كان منخرطا في جهاز المخزن الأمني سواء خلال الانتفاضة المذكورة أو خلال انتفاضة المجاهد الطرابلسي محمد بالحاج فكيني سنة 1922.

الضابط الفرنسي جون سيران مصحوبا بعدد من جنود "القومية" قرب البرج العسكري بدوز

[1]

انطلاقا من جميع هذه المؤشرات يمكن القول في اطمئنان أن بعض أفراد المخزن الأمني خلال الفترة الاستعمارية كانوا يشاركون الأهالي "وبني جلدتهم" رفضهم للإدارة الاستعمارية. ذلك الرفض الذي اتخذ أشكالا "خطيرة" في بعض الأحيان حيث لم يتردد هؤلاء النظاميون في رفع السلاح ضد من منحهم "ثقته". وفي منطقة "التراب العسكري" ذات "النظام الحديدي" الصارم كان فرسان المخازنية وجنود "القومية" على "وعي" بما كان يمارس ضد الأهالي أو قل ضد أهاليهم من غطرسة وجبروت وظلم استعماري. لقد كانت هذه الممارسات "تحرك" "ضمير" هؤلاء النظاميين نحو "الوعي" بآلام هؤلاء الأهالي "لأنهم ليسوا سوى أبناء الوطن، يتألمون لألمه ويعيشون على آماله أيضا"[2]. وفي منطقة نفزاوة كانت الحرب العالمية الثانية فرصة لهؤلاء النظاميين لاعلان رفضهم لأوامر وقرارات الإدارة الاستعمارية. وانتهى تمردهم وفرارهم في النهاية إلى هبة" قبلية". وبخصوص هذه الانتفاضة، لم تتردد السلطات الاستعمارية الفرنسية كعادتها في وصف هؤلاء المنتفضين بأوصاف مستهجنة وذلك بإظهارهم في شكل "قطاع طرق" و"لصوص" وخارجون عن القانون" و"جياشة (نهّابة)" و"فلاقة". فهل كانوا كذلك فعلا ؟


[1] - ضيف الله (محمد)، المرجع نفسه، ص 533.

[2] - القسنطيني (الكراي)، "وثيقة جديدة حول أحدث الوطن القبلي (18 جانفي – 18 فيفري 1952)"، المجلة التاريخية المغاربية، العدد 114، جانفي 2004، ص.137.


ليست هناك تعليقات: